فخر الدين الرازي
202
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بالتقدير والمفاوز لا يتقدر السير فيها بل يسير السائر فيها بقدر الطاقة جادا حتى يقطعها ، وقوله : سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً أي كان بينهم ليال وأيام معلومة ، وقوله : آمِنِينَ إشارة إلى كثرة العمارة ، فإن خوف قطاع الطريق والانقطاع عن الرقيق لا يكون في مثل هذه الأماكن ، وقيل بأن معنى قوله : لَيالِيَ وَأَيَّاماً تسيرون فيه إن شئتم ليالي وإن شئتم أياما لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلا ، لئلا يعلم العدو بسيرهم ، وبعضها يسلك نهارا لئلا يقصدهم العدو ، إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة ، وقوله تعالى : فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا قيل بأنهم طلبوا ذلك وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يسألوا بطرا كما طلبت اليهود الثوم والبصل ، ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر كما يقول القائل لغيره اضربني إشارة إلى أنه لا يقدر عليه . ويمكن أن يقال : فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بلسان الحال ، أي لما كفروا فقد طلبوا أن يبعد / بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم ، وقوله : وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يكون بيانا لذلك ، وقوله : فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي فعلنا بهم ما جعلناهم به مثلا ، يقال : تفرقوا أيدي سبا ، وقوله : وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بيان لجعلهم أحاديث ، وقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أي فيما ذكرناه من حال الشاكرين ووبال الكافرين . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 20 ] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) أي ظنه أنه يغويهم كما قال : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ [ ص : 82 ] وقوله : فَاتَّبَعُوهُ بيان لذلك أي أغواهم ، فاتبعوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال تعالى في حقهم : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * [ الحجر : 42 ] ويمكن أن يقال : صدق عليهم ظنه في أنه خير منه كما قال تعالى عنه : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ * [ الأعراف : 12 ] ويتحقق ذلك في قوله فَاتَّبَعُوهُ لأن المتبوع خير من التابع وإلا لا يتبعه العاقل والذي يدل على أن إبليس خير من الكافر ، هو إن إبليس امتنع من عبادة غير اللّه لكن لما كان في امتناعه ترك عبادة اللّه عنادا كفر ، والمشكر يعبد غير اللّه فهو كفر بأمر أقرب إلى التوحيد ، وهم كفروا بأمر هو الإشراك ، ويؤيد هذا الذي اخترناه الاستثناء ، وبيانه هو أنه وإن لم يظن أنه يغوي الكل ، بدليل أنه تعالى قال عنه : إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * [ ص : 76 ] فما ظن أنه يغوي المؤمنين فما ظنه صدقه ولا حاجة إلى الاستثناء ، وأما في قوله : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ * اعتقد الخيرية بالنسبة إلى جميع الناس بدليل تعليله بقوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * [ الأعراف : 12 ] وقد كذب في ظنه في حق المؤمنين ، ويمكن الجواب عن هذا في الوجه الأول ، وهو أنه وإن لم يظن إغواء الكل وعلم أن البعض ناج ، لكن ظن في كل واحد أنه ليس هو ذلك الناجي ، إلى أن تبين له فظن أنه يغويه فكذب في ظنه في حق البعض وصدق في البعض . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 21 ] وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 ) قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [ العنكبوت : 3 ] أن علم اللّه من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالما لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه ،